المقريزي
282
رسائل المقريزي
واكتأبت لذلك ، وجعلت تطير مع وجه الأرض في التراب ! فيعلم أنه قد مات اليعسوب ، فتطلب يعسوبا آخر ، فتأتي به فتجعله في تلك الخليّة ، فتراجع النحل عملها . فإن لم تقم لها يعسوبا فإنها تهلك عاجلا . وجثة اليعسوب : مثل جثة نحلتين ، وهو يأمرهم بالعمل ، ويرتب على كل واحد ما يليق ، فيأمر بعضها ببناء البيت ، وبعضها بعمل العسل ، ومن لا يحسن العمل يخرجه من الكور ، ولا يتركه مع النحل فيبطّلهم ، وينصّب بوابا على باب البيت ليمنع دخول ما وقع من النّحل على شيء من القاذورات . واليعسوب إذا همّ بالخروج طنّ قبله بيوم أو يومين ليعلم الفراخ ما همّ به فتستعدّ له . وأجناس النّحل كثيرة : فأما اليعاسيب فهي جنسان : أحدهما أحمر اللون وهو أفضل اليعاسيب ، والآخر أسود مختلف اللون ؛ ومنها ما تكون جثته مثل جثة أربع نحلات ؛ وله حمة « 1 » ؛ وهو أسود النصف المقدّم ، أحمر النصف المؤخر ، وإنما كان أكثر من واحد صار مع كل يعسوب طائفة من النّحل ؛ وإذا خرج اليعسوب من الخلية تبعته النحل كلها . وإذا كان اليعسوب عظيما سمّى جحلا « 2 » بتقديم الجيم على الحاء . وملوك النّحل لا تلذع ، ولا تغضب لأنّ اليعسوب حليم جدا . وإن في هذا القدر لعبرة ؛ لأن هذا لو كان في واحد من عقلاء الإنس ، الذين فضّلوا على جميع الحيوان ؛ لكان ذلك عجبا ؛ ولذلك قال الله تعالى بعد ما قصّ علينا ما ألهمه هذا الحيوان على ضعفه . . . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * « 3 » أي يعتبرون بما قد ألهمه « 4 » النحل من لطيف الصنعة ، ودقّة الحيلة ، مع ضعف
--> ( 1 ) الحمة : السّم أو الإبرة يضرب بها الزّنبور والحيّة ونحو ذلك أو يلدغ بها ، والجمع : حماة وحمى . القاموس ( 1 / 719 ) . ( 2 ) وكذا قال صاحب القاموس ( 1 / 449 ) الجحل : اليعسوب العظيم . ( 3 ) النحل : 69 . ( 4 ) قال القرطبي في تفسيره ( 10 / 92 ) في هذه الآية : ومن العبرة في النحل بإنصاف النظر وإلطاف الفكر في عجيب أمرها ، فيشهد باليقين بأن ملهمها الصنعة اللطيفة مع البنية الضعيفة ، وحذقها باحتيالها في تفاوت أحوالها هو الله سبحانه وتعالى ؛ كما قال : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ثم إنها تأكل الحامض والمرّ والحلو والمالح والحشائش فيجعله الله عسلا حلوا وشفاء ، وفي هذا دليل على قدرته .